أبي حيان الأندلسي

160

البحر المحيط في التفسير

هو ابن الباذش ، في كتاب الإقناع من تأليفه : تراءى الجمعان في الشعراء . إذا وقف عليها حمزة والكسائي ، أما لا الألف المنقلبة عن لام الفعل ، وحمزة يميل ألف تفاعل وصلا ووقفا لإمالة الألف المنقلبة ؛ ففي قراءته إمالة الإمالة . وفي هذا الفعل ، وفي راءى ، إذا استقبله ألف وصل لمن أمال للإمالة ، حذف السبب وإبقاء المسبب ، كما قالوا : صعقى في النسب إلى الصعق . وقرأ الجمهور : لمدركون ، بإسكان الدال ؛ والأعرج ، وعبيد بن عمير : بفتح الدال مشددة وكسر الراء ، على وزن مفتعلون ، وهو لازم ، بمعنى الفناء والاضمحلال . يقال : منه ادّرك الشيء بنفسه ، إذا فنى تتابعا ، ولذلك كسرت الراء على هذه القراءة ، نص على كسرها أبو الفضل الرازي في ( كتاب اللوامح ) ، والزمخشري في ( كشافه ) وغيرهما . وقال أبو الفضل الرازي : وقد يكون ادّرك على افتعل بمعنى أفعل متعديا ، فلو كانت القراءة من ذلك ، لوجب فتح الراء ، ولم يبلغني ذلك عنهما ، يعني عن الأعرج وعبيد بن عمير . قال الزمخشري : المعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ، ومنه بيت الحماسة : أبعد بني أمي الذين تتابعوا * أرجى الحياة أم من الموت أجزع قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ : زجرهم وردعهم بحرف الردع وهو كلا ، والمعنى : لن يدركوكم لأن اللّه وعدكم بالنصر والخلاص منهم ، إن معي ربي سيهدين عن قريب إلى طريق النجاة ويعرفنيه . وقيل : سيكفيني أمرهم . ولما انتهى موسى إلى البحر ، قال له مؤمن آل فرعون ، وكان بين يدي موسى : أين أمرت ، وهذا البحر أمامك وقد غشيتك آل فرعون ؟ قال : أمرت بالبحر ، ولا يدري موسى ما يصنع . ورويت هذه المقالة عن يوشع ، قالها لموسى عليه السلام ، فأوحى اللّه إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ، فخاض يوشع الماء . وضرب موسى بعصاه ، فصار فيه اثنا عشر طريقا ، لكل سبط طريق . أراد تعالى أن يجعل هذه الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله ، ولكنه بقدرة اللّه إذ ضرب البحر بالعصا لا يوجب انفلاق البحر بذاته ، ولو شاء تعالى لفلقه دون ضربه بالعصا ، وتقدّم الخلاف في مكان هذا البحر . فَانْفَلَقَ : ثم محذوف تقديره : فضرب فانفلق . وزعم ابن عصفور في مثل هذا التركيب أن المحذوف هو ضرب ، وفاء انفلق . والفاء في انفلق هي فاء ضرب ، فأبقى من كل ما يدل على المحذوف ، أبقيت الفاء من فضرب واتصلت بانفلق ، ليدل على ضرب المحذوفة ، وأبقى انفلق ليدل على الفاء المحذوفة منه . وهذا قول شبيه بقول صاحب